الحكيم الترمذي
131
غور الأمور
وكان المدائن حوله ساكنة مطمئنة قد انجلى عنها غم الهوى ، وغم الضلالة ، ودخان الشهوة ، والعامل في عز وشرف وبهاء ورفعة منورا ، قد سطع نور الرغبة والطاعة ، ونور الفرح منه إلى أقصى المدائن وقراها ، وكانت المدائن مطمئنة ساكنة ، وكان العمال بها مطيعة ، والرعية في راحة ، والخناس مقصور ، والوسواس متجعد ، والهوى مسجون ، واللعين مدحور محسود . وإذا غلب عليها العدو أخذها عنوة ، وأصر عليها أميرا ، ودخلت الجنود مع أميرها ، وحشمه بظلمه ودنسه وشهواته وملاهيه وأباطيله وخدعه وأدناسه ونتنه ودخانه وغيمه . قويت النفس وهو الهوى وحييت وتخلصت من السجن وعسكرت واستعمل عليها عامل ، وعلى القرى عمال ، وثبت ملكه إلى أن يأخذ مسكن العقل وموضع قضائه فيجعل عليه العقل بجنوده ، وينصب الحرب بينهما فتثور من بينها عجاجة « 1 » سوداء ، ودخان مظلم من نتن الهواء وظلمته . فيظلم على القلب مسكنه ، وهو الصدر ، فيصر الملك ومن معه من الجنود في حجب من ظلماتها ودخانها . فإما إن كانت الغلبة له عليها ، وإما عليه لها ، فإذا كانت الغلبة عليه انهزم العقل بجنوده من شدة الظلمة ونتنها ودخانها وضعف وأنزل وأخذ بمركزه ولجأ إلى ملكه وهو المعرفة بجنوده ، مستغيثا فزعا . وتركوا الميادين ، والمراكوز ، وهوى الصدر ، وأخذوه ونزلوا به ، وكان الأمر أمر العدو ، والسلطان سلطانه نافذ ، أمر مطاع مشكور ، المدائن ساكنة مطيعة ، والقرى محمودة مرضية ، والرعية مطواعة ، والعمال في سعة والعدو فرح . واللعين مستبشر مباهى .
--> ( 1 ) العجاجة : من العجاج الدخان والعجاجة أخص منه . وعجج البيت دخانا فتعجج البيت دخانا فتعجج : ملأه .